الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

207

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَأَحْسَنُوا الإحسان إلى المسلمين ، وهو زائد على التقوى ، لأنّ منه إحسانا غير واجب وهو ممّا يجلب مرضاة اللّه ، ولذلك ذيّله بقوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وقد ذهب المفسّرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا دلائل عليها في نظم الآية ، ومرجعها جعل التكرير في قوله : ثُمَّ اتَّقَوْا على معنى تغاير التقوى والإيمان باختلاف الزمان أو باختلاف الأحوال . وذهب بعضهم في تأويل قوله تعالى : إِذا مَا اتَّقَوْا وما عطف عليه إلى وجوه نشأت عن حمله على معنى التقييد لنفي الجناح بحصول المشروط . وفي جلبها طول . وقد تقدّم أنّ بعضا من السلف تأوّل هذه الآية على معنى الرخصة في شرب الخمر لمن اتّقى اللّه فيما عدّ ، ولم يكن الخمر وسيلة له إلى المحرّمات ، ولا إلى إضرار الناس . وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون ، كما تقدّم في تفسير آية تحريم الخمر : وأنّ عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب لم يقبلاه منه . [ 94 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 94 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 ) لا أحسب هذه الآية إلّا تبيينا لقوله في صدر السورة غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 1 ] ، وتخلّصا لحكم قتل الصيد في حالة الإحرام ، وتمهيدا لقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ المائدة : 95 ] جرّت إلى هذا التخلّص مناسبة ذكر المحرّمات من الخمر والميسر وما عطف عليهما ؛ فخاطب اللّه المؤمنين بتنبيههم إلى حالة قد يسبق فيها حرصهم ، حذرهم وشهوتهم تقواهم . وهي حالة ابتلاء وتمحيص ، يظهر بها في الوجود اختلاف تمسّكهم بوصايا اللّه تعالى ، وهي حالة لم تقع وقت نزول هذه الآية ، لأنّ قوله لَيَبْلُوَنَّكُمُ ظاهر في الاستقبال ، لأنّ نون التوكيد لا تدخل على المضارع في جواب القسم إلّا وهو بمعنى المستقبل . والظاهر أنّ حكم إصابة الصيد في حالة الإحرام أو في أرض الحرم لم يكن مقرّرا بمثل هذا . وقد روي عن مقاتل : أنّ المسلمين في عمرة الحديبية غشيهم صيد كثير في طريقهم ، فصار يترامى على رحالهم وخيامهم ، فمنهم المحلّ ومنهم المحرم ، وكانوا يقدرون على أخذه بالأيدي ، وصيد بعضه بالرماح . ولم يكونوا رأوا الصيد كذلك قط ، فاختلفت أحوالهم في الإقدام على إمساكه . فمنهم من أخذ بيده وطعن برمحه . فنزلت هذه الآية اه . فلعلّ هذه الآية ألحقت بسورة المائدة إلحاقا ، لتكون